فصل: تفسير الآية رقم (60):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (56):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً} [56].
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} أي: وما نرسلهم، قبل إنزال العذاب، إلا لتبشر من آمن بالزلفى والكرامة، وإنذار من كفر بأن تأتيه سنة من مضى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ} كاقتراح الآيات: {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أي: ليزيلوا بالجدال، الحق الثابت عن مقره. وليس ذلك بحاصل لهم. وأصل الإدحاض: إزلاق القدم وإزالتها عن موطئها. فاستعير من زلل القدم المحسوس، لإزالة الحق المعقول.
قال الشهاب ولك أن تقول: فيه تشبيه كلامهم بالوحل المستكره. ثم أنشد لنفسه:
أتانا بوَحْلٍ لإِنكارِهِ ** لِيُزْلِقَ أقدامَ هَذي الحُجَجْ

{وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا} أي: وإنذارهم. أو والذي أنذروا به من العقاب: {هُزُواً} أي: استهزاء وسخرية وهو أشد التكذيب. وصف بالمصدر مبالغة.

.تفسير الآية رقم (57):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} [57].
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} كناية عن عدم تدبرها والاتعاظ بها، بأبلغ أسلوب: {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: ما عمله من الكفر والمعاصي، وصرف ما أنعم به، إلى غير ما خلقت له، فلم يتفكر في عاقبة ذلك: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} أي: جعلنا عليها حجباً وأغطيةً كثيرةً، كراهة أن يفقهوه، أي: يقفوا على كنه ما خلقت النعم من أجله: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} أي: وجعلنا فيها ثقلاً يمنعهم من استماعه. والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم، بأنهم مطبوع على قلوبهم. وذلك لإيثارهم الضلال على الهدى كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
{وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} أي: فلا يكون منهم اهتداء البتة.

.تفسير الآية رقم (58):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} [58].
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً}.
الآيات في هذا المعنى كثيرة. كقوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45]. وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6]، و{رَبُّكَ} مبتدأ و{الْغَفُورُ} خبره وتقديم الوصف بالمغفرة على الرحمة، لأنه أهم بحسب الحال. إذ المقام مقام بيان تأخير العقوبة عنهم، بعد استيجابهم لها. كما يعرب عنه قوله عز وجل: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا} والموعد المذكور هو يوم بدر. أو الفتح المشار إليه في كثير من الآيات. أو يوم القيامة. والكل لا حق بهم. والموئل الملجأ والمنجى. أي: ليس لهم عنه محيص ولا مفر. وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (59):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً} [59].
{وَتِلْكَ الْقُرَى} أي: قرى عاد وثمود وأضرابهم: {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} بالكفر والطغيان: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً} أي: وقتاً معيّناً لا محيد لهم عنه. وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد، ليتنبهوا لذلك، ولا يغتروا بتأخر العذاب. ثم أشار تعالى إلى نبأ موسى من الخضر عليهما السلام، ذلك النبأ الذي تضمن من الفوائد والحكم وأعلام النبوة، ما لا يخفى على متبصر. كما ستقف على شذرات من ذلك. فقال سبحانه:

.تفسير الآية رقم (60):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [60].
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي: اذكر وقت قول موسى لفتاه، لا أبرح، أي: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. أي: المكان الذي فيه ملتقى البحرين. فأجد فيه الخضر. أو أسير زماناً طويلاً إن لم أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلب.
قال المهايمي: أي: اذكر للذين إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً، لتكبرهم عليك، إنكم لستم بأعلم من موسى ولا أرشد منه. ولست أقل من الخضر في الهداية بل أعظم. لأنها هداية في الظاهر والباطن. وهداية الخضر إنما هي في الباطن. ولا تحتاجون في تحصيله إلى تحمل المشاق، واحتاج إليه موسى. والفتى الشاب. قال الشهاب: العرب تسمي الخادم فتى، لأن الغالب استخدام من هو في سن الفتوة، وكان يوشع خادم موسى عليه السلام ومحباً له، وذا غيرة على كرامته. ولذلك اختصه موسى رفيقاً له وخادماً. وصار خليفة من بعده على بني إسرائيل. وفتح عليه تعالى بيت المقدس ونصره على الجبارين. وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (61):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً} [61].
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي: البحرين: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي: خبر حوتهما، وتفقد أمره، وكانا تزوداه.
{فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ} أي: طريقه: {فِي الْبَحْرِ سَرَباً} أي: مثل السرب في الأرض، واضح المسلك، معجزة جعلت علامة للمطلوب.

.تفسير الآية رقم (62):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} [62].
{فَلَمَّا جَاوَزَا} أي: مجمع بينهما، وهو المكان الذي نسيا فيه الحوت: {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا} أي: ما نتغدى به: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} أي: تعباً ومشقة.

.تفسير الآية رقم (63):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} [63].
{قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} أي: خبر الحوت. وإسناد النسيان إليهما، أولاً، إما بمعنى نسيان طلبه، والذهول عن تفقده، لعدم الحاجة إليه. وإما للتغليب، بناءً على أن الناسي إنما كان يوشع وحده. فإنه نسي أن يخبر موسى بشأنه العجيب، فيكون كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وإنما يخرج من المالح: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أي: لك. وأن أذكره بدل من الهاء في أنسانيه أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وقد قرأ حفص بضم الهاء من غير صلة وصلاً، والباقون بكسرها: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} أي: أمراً عجيباً، إذ صار الماء عليه سرباً.

.تفسير الآية رقم (64):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} [64].
{قَالَ} أي: موسى: {ذَلِكَ} أي: المكان الذي اتخذ فيه سبيله هرباً: {مَا كُنَّا نَبْغِ} أي: نطلب فيه الخضر. لأنه أمارة المطلوب. وقرئ في السبع بإثبات الياء بعد الغين، وصلاً لا وقفاً. وبإثباتها في الحالين. وبحذفها كذلك: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا} أي: رجعا ماشيين على آثار أقدامهما يتبعانها: {قَصَصاً} أي: اتباعاً لئلا يفوتهما الموضع ثانياً.

.تفسير الآية رقم (65):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} [65].
{فَوَجَدَا} أي: فأتيا الموضع المنسيّ فيه الحوت، فوجدا: {عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا} التنكير للتفخيم، والإضافة فيه للتشريف. والجمهور على أنه الخضر. وسنتكلم على جملة من نبئه، بعونه تعالى، بعد تمام القصة: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} أي: آتيناه رحمة لدنيّة، اختصصناه بها: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} أي: علماً جليلاً آثرناه. وهو علم لدنّي يكون بتأييد ربانيّ. وسنذكر إن شاء الله تعالى العلم اللدنيّ في آخر هذا النبأ.

.تفسير الآية رقم (66):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [66].
{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} أي: أصحبكَ: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} أي: من لدن ربك: {رُشْداً} أي: علماً ذا رشد. أي: هدى وإصابة خير.
قال القاضي: وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب. فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه، بتعليم بعض ما أنعم الله عليه. أي: وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.

.تفسير الآيات (67- 68):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [67- 68].
{قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي: بوجه من الوجوه. ثم علل معتذراً بقوله {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أي: من أمور ستراها. إن صحبتني، ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك.

.تفسير الآية رقم (69):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} [69].
{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} أي: لا أخالفك في شيء.
قال الزمخشري: رجا موسى عليه السلام، لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبراً، بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر. فوعده بالصبر معلقاً بمشيئة الله. علماً منه بشدة الأمر وصعوبته، وإن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق. هذا مع علمه أن النبيّ المعصوم، الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم منه، بريء من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين. وأنه لا بد، لما يستسمج ظاهره، من باطن حسن جميل. فكيف إذا لم يعلم؟ انتهى.

.تفسير الآية رقم (70):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} [70].
{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي: لا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته منِّي، ولم تعلم وجه صحته، حتى أبتدئك ببيانه. وهذا من آداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع.

.تفسير الآية رقم (71):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} [71].
{فَانْطَلَقَا} أي: على ساحل البحر يطلبان سفينة: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} أي: عظيماً من إتلاف السفينة وقتل الجماعة الكثيرة بغير ذنب، وكفران نعمة الحمل بغير نول.

.تفسير الآية رقم (72):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [72].
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} ذكره الخضر بما تقدم من الشرط.
يعني هذا الصنيع فعلته قصداً. وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر عليّ فيها. لأنك لم تحط بها خبراً إذ لها سر لا تعلمه أنت.

.تفسير الآية رقم (73):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} [73].
{قَالَ} أي: موسى: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} من الشرط. فإن المؤاخذة به تفضي إلى العسر. والمراد التماس عدم المؤاخذة لقيام المانع وهو النسيان: {وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} أي: لا تحمل عليَّ من أمري، في تحصيل العلم منك، عسراً، لئلا يلجئني إلى تركه. أي: لا تعسِّر عليَّ متابعتك، بل يسِّرها عليَّ، بالإغضاء وترك المناقشة.

.تفسير الآية رقم (74):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} [74].
{فَانْطَلَقَا} أي: بعد أن خرجا من السفينة إلى الساحل: {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي: أنها لم تَقتل نفساً فتُقتل. بل هي زكية طاهرة من موجبات القتل: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} أي: منكراً. أو أنكرَ من الأول. لأن ذلك كان خرقاً يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى تداركه بوجهٍ ما.

.تفسير الآية رقم (75):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [75].
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تأكيد في التذكار بالشرط الأول. ونكتة زيادة: {لَكَ} هو- كما قال الزمخشري: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. كما لو أتى إنسان بما نهيته عنه، فلمته وعنفته، ثم أتى به مرة أخرى فإنك تزيد في تعنيفه. قال في المثل السائر: وهذا موضع تدق عن العثور عليه مبادرة النظر.

.تفسير الآية رقم (76):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً} [76].
{قَالَ} أي: موسى: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي: بعد هذه المرة: {فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً} أي وجدت من جهتي عذراً. إذ أعذرتَ إليّ مرة بعد مرة، فخالفتك ثلاث مرات، بمقتضى طبع الاستعجال.